منبر الخبراء

الأسرة والوطن.. عناق الأجيال في مرافئ الوفاء
بقلم : د.فاطمة عيسى

الأسرة والوطن.. عناق الأجيال في مرافئ الوفاء


ليست الأسرة مجرد اجتماعِ أفرادٍ تحت سقف واحد، بل هي النواة الوجودية التي تنبثق منها الحياة، واللبنة الرخامية الأولى التي يُشيد عليها صرح المجتمع العظيم؛ فإن استقامت هذه اللبنة وتماسكت، تعالت شرفات المجتمع نحو المجد، وإن وهنت أو تصدعت، تداعى هيكل الأمة كله بالسهَر والحمّى. حرصت قيادتنا الرشيدة على الاهتمام بالأسرة تجسيداً لدورها المهم في بناء المجتمعات ، فخصصت للأسرة عاماً فسمي عام 2026 بعام الأسرة . ومن هنا، تبرز الأسرة كحارسةٍ للقيم، ومدرسةٍ أولى تغرس في الوجدان حب الوطن ومعاني الانتماء، لتخرج للمجتمع نفوساً سوية قادرة على الإبداع والعطاء. ومصداقاً لهذا الدور السامي، وتجسيداً لملحمة الأسرة والوطن ، دعيت مؤخراً إلى لقاء في أحد مراكز الخدمة المجتمعية، لم يكن اللقاء مجرد فعالية عابرة، بل كان سيمفونيةً إنسانية مفعمة بالحيوية، كان ضيوفها هم "كبار المواطنين" أولئك الذين يحملون في تجاعيد وجوههم حكايا الوطن، وفي بياض شيبهم حكمة السنين. ونحن في غمرة ذلك اللقاء، انطلقت إحدى المتطوعات تتهادى بخفةٍ بين جموع النساء، تكسر بصوتها العذب حواجز الصمت، كانت تطبع قبلة وفاءٍ على جبينٍ خطّت فيه الأيام حكايات الصبر، وتفتح معهنَّ نوافذ الذاكرة بحديثٍ شجيٍّ دار بين جيلين؛ جيلٍ عاصر قيام دولة الإمارات وعاش مشقة التأسيس، وجيلٍ يقطف اليوم ثمار ذلك الغرس العظيم. ولم تقف حدود البهجة عند الكلمات، بل امتدت لتلامس الألوان؛ حيث شاركت الأمهات في ورشة للرسم، وكانت لحظاتٍ مهيبة حين أمسكت تلك الأنامل التي أرهقها الزمن واهتزت بفعل السنين بأقلام التلوين، لترسم ما سكن في أعماق الوجدان من طفولةٍ بعيدة. وببراءة مدهشة، تشكلت على الورق لوحاتٌ ركزت على الطبيعة البكر والزهور والحيوانات الأليفة، وكأن كل خط مائل هو نبضة قلبٍ تحنُّ إلى مرابع الصبا. وقفتُ أتأمل تلك اللوحات الصغيرّة، فلم أرَ فيها مجرد رسوم، بل رأيتُ خلاصة أعمارٍ صُبت في قوالب من الجمال. إن تلك الأنامل التي كانت ترتعش، لم تكن ترتعش وهنًا، بل كانت تهتزُّ طرباً لاستعادة ذكرياتٍ أعادت بناء "الفريج" القديم بلمساتٍ حانية. خرجتُ من ذلك اللقاء وأنا أحمل في قلبي درساً بليغاً؛ أن قوة الأمم تقاس بمدى تماسك أسرها، وأن السعادة الحقيقية تكمن في لمسة وفاءٍ تُشعر كبارنا بأن أثرهم لا يزال باقياً. انتهى اللقاء برسم البسمة على تلك الشفاة وهي تتلقى هدايا وشهادات تقدير من المسؤولين عن تنظيم اللقاء يشاركهم الفرحة عدد من الشخصيات البارزة في المجتمع في صورة جماعية تجمع الأجيال وترسم لوحة تظهر أجمل صور التلاحم الإنساني في وطني الغالي. لقد كان اللقاء جسراً من نور، عبرت عليه روح الشباب لتلتقي ببركة الأجداد، في مشهدٍ سيبقى محفوراً في الذاكرة .

كافة الحقوق محفوظة لـ جمعية الإمارات للمتقاعدين © 2026