منبر الخبراء

دور المتقاعدين في صناعة الاثر الاجتماعي
بقلم : ليلى محمد آل علي

دور المتقاعدين في صناعة الاثر الاجتماعي


يُختزل مفهوم التقاعد لدى الكثيرين في التوقّف عن العمل والانصراف عن العطاء،وأنها نهاية الطريق ، غير أن هذا التصوّر لا يعبّر عن حقيقة ما يحمله المتقاعد من خبرات متراكمة، وتجارب عميقة، ورؤية ناضجة للحياة والعمل. فالتقاعد، في جوهره، ليس انسحابًا من المجتمع، بل انتقال إلى مرحلة جديدة من العطاء الواعي والمسؤول، والإتجاه نحو تحقيق الذات من زاوية أكثر نضجاً. ولعلّ ما نراه اليوم في محيطنا الاجتماعي يؤكد هذه الحقيقة؛ إذ يظهر كثير من المتقاعدين حضورًا لافتًا في ميادين شتى ،حين تُتاح لهم المساحة، ويقدّمون خبراتهم وطاقاتهم بهدوء، بعيدًا عن الادّعاء أو السعي إلى الظهور. لقد خاض المتقاعد مسيرة طويلة في ميادين العمل المختلفة، وتعلّم خلالها كيف تُدار الأمور، وكيف تُواجه التحديات، وكيف تُبنى العلاقات الإنسانية على أساس من الحكمة والتوازن، والأهم من ذلك .. كيف يتصدى لنظرة المجتمع . وهذه الخبرة، حين تُستثمر في العمل المجتمعي، تتحوّل إلى قيمة حقيقية تُسهم في دعم المبادرات، وتعزيز فاعليتها، وتوجيهها الوجهة الصحيحة الواعية المتزنة. إن إشراك المتقاعدين في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والتطوعية يضيف بعدًا نوعيًا للعمل المجتمعي، إذ يوفّر عنصر الاستقرار، ويحدّ من العشوائية، ويُسهم في ربط الجهود بالأهداف الواقعية. كما يشكّل المتقاعدون حلقة وصل بين الأجيال، ينقلون الخبرة، ويغرسون القيم، ويقدّمون نموذجًا إيجابيًا للعطاء المستمر، وبذلك تتشكل في تصورات الأفراد ، صورة جميلة راسخة لمفهوم ومصطلح "متقاعد". وفي المقابل، يعود هذا الدور بالنفع على المتقاعد نفسه؛ إذ يمنحه الإحساس بالجدوى، ويعزّز ثقته بذاته، ويكسر دائرة العزلة والفراغ. وهذا ما يجعل العمل المجتمعي، في نظر كثيرين منهم، امتدادًا طبيعيًا لمسيرة لم تنقطع، لا نشاطًا طارئًا أو مؤقتًا؛ فتعلو الهمّة، ويتضاءل التردّد والتراجع، ويغدو المتقاعد جزءًا لا يتجزّأ من المجتمع، وعضوًا فاعلًا فيه. وتبرز هنا أهمية الجمعيات الاجتماعية بوصفها الحاضن الطبيعي لهذه الطاقات، حيث تقع على عاتقها مسؤولية استيعاب المتقاعدين، والاستفادة من خبراتهم، وإشراكهم في التخطيط وصناعة المبادرات، لا الاكتفاء بدور تنفيذي محدود. فبهذا النهج، يتحقق الأثر، وتُبنى المبادرات على أسس أكثر نضجًا واستدامة. إن المجتمعات التي تُحسن توظيف خبرات متقاعديها، تُراكم قوتها المعنوية، وتستثمر في الحكمة قبل الجهد. فالعطاء لا يتوقّف عند عمر أو وظيفة، بل يستمر ما دامت الرغبة في الإسهام قائمة. والمتقاعد، حين يُمنح الثقة والمساحة، يثبت أن بعض الطاقات لا تعرف التقاعد، وأن الخبرة الصادقة قادرة دائمًا على صناعة أثر اجتماعي حقيقي فعال ، يعطي المتقاعد فرصة لإعادة ترتيب علاقته مع مجتمعه وأسرته ونفسه.

كافة الحقوق محفوظة لـ جمعية الإمارات للمتقاعدين © 2026