منبر الخبراء

حين يوقظ البحر حروفي
بقلم : فاطمة الزعابي

حين يوقظ البحر حروفي


في ليلة هادئة تفيض بالجمال، جلستُ أمام البحر أراقب أمواجه الساكنة وهي تتهادى بصمت. كانت مدينتي الحبيبة كلباء، تنبض بهدوءٍ مهيب سكونٌ يلف المكان، لا يقطعه سوى أصوات سيارات المارّة في الشارع المقابل للبحر، كأنها تذكير خافت بأن الحياة لا تتوقف، حتى في حضرة هذا السلام نسماتٌ باردة لامست وجنتيّ برفق كأنها بشارة دخول الشتاء الذي انتظرته بشغف. تسللت إلى داخلي رغبةٌ مفاجئة في الكتابة، فبادرت إلى إخراج هاتفي وفتحت صفحة المذكرات، تلك التي أحتضن فيها أطياف خيالاتي حين تباغتني. هناك بدأتُ أخط حروفي الفضية، فتراقصت فرحًاً واشتعلت شوقًا للتحرر منسابةً من بنات أفكاري ومشبعةً بمشاعر متداخلة لا تعرف الصمت نعم أحب الكتابه أحب أن أداعب حروفي واتراقص معها لنصوغ أجمل الكلمات وأرقى العبارات التي يتوق لساني بنطقها والتغزل فيها .. آه كم هي رائعة تلك الحروف عندما تجبرني أن أصفها صفاً لتكوين كلماتي الأنيقة .. وصوت الموج المتراقص يلهمني عذب القوافي لأصوغ لحن العبارات . كم هي جميلة تلك التي تسمى ( الكتابة ) ليست مجرد حروف تُنثر على الورق بل هي نبضةُ قلبٍ تمتد خارج الجسد تنسج الأحاسيس خيطًا خيطًا حتى يصبح النصُّ قلادة تعانق روح القارئ. الكتابة لحظة عشقٍ خفية يختبئ فيها الكاتب خلف كلماته فيبوح بما يعجز عنه اللسان ويمنح العالم جزءًا من ذاته بجرأة العاشق وحنين المنتظر. عندما نكتب، نحن لا نحرّك قلماً بل نوقظ شعورًا نائماً ونمسك بيد حلمٍ كان يبحث عمّن يوقظه. الكتابة حبٌّ ناضج يهدأ حين تضجّ الحياة ويضيء حين تنطفئ الأشياء، ويبقى دائمًا الملجأ الذي لا يخون .

كافة الحقوق محفوظة لـ جمعية الإمارات للمتقاعدين © 2026